ابن الأثير

478

أسد الغابة ( دار الفكر )

وقال قتادة : هو أول مخضوب في الإسلام ، وعاش بعد ابنه أبى بكر ، وورثه . وهو أول من ورث خليفة في الإسلام ، إلا أنه ردّ نصيبه من الميراث ، وهو السدس ، على ولد أبى بكر . أخبرنا أبو جعفر عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده إلى يونس بن بكير عن ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد ، عن أبيه عباد بن عبد اللَّه بن الزبير ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما كان يوم الفتح نزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذا طوى [ ( 1 ) ] ، قال أبو قحافة لبنت له كانت من أصغر ولده : أي بنيّة ، أشرفى [ بي ] [ ( 2 ) ] على أبى قبيس - وقد كفّ بصره - فأشرفت به عليه ، فقال : أي بنيّه ، ما ذا ترين ؟ قالت : أرى سوادا مجتمعا ، وأرى رجلا يشتدّ بين [ ( 3 ) ] ذلك السواد مقبلا ومدبرا . فقال : تلك الخيل أي بنية ، وذلك الرجل الوازع [ ( 4 ) ] ثم . قال : ما ذا ترين ؟ قالت : أرى السواد قد انتشر . قال : قد واللَّه إذا دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي . فخرجت به سريعا حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيتها الخيل وفي عنقها طوق لها [ ( 5 ) ] من ورق ، فاقتطعه إنسان من عنقها ، فلما دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم المسجد خرج أبو بكر حتى جاء بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : هلّا تركت الشيخ في بيته حتى أجيئه . قال : يمشى هو إليك يا رسول اللَّه ، فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صلى صلى اللَّه عليه وسلم صدره وقال : أسلم تسلم . فأسلم [ ( 6 ) ] ، ثم قام أبو بكر . فأخذ بيد أخته فقال : أنشد باللَّه وبالإسلام طوق أختي . فما أجابه أحد . ثم قال الثانية : أنشد باللَّه وبالإسلام طوق أختي . فما أجابه أحد . فقال : يا أخيّة ، احتسبي طوقك ، فو اللَّه إن الأمانة في الناس [ ( 7 ) ] لقليل [ ( 8 ) ] . وتوفى أبو قحافة سنة أربع عشرة ، وله سبع وتسعون سنة . أخرجه الثلاثة [ ( 9 ) ] .

--> [ ( 1 ) ] ذو طوى - بضم الطاء وفتح الواو - : موضع بمكة . [ ( 2 ) ] عن سيرة ابن هشام ومسند أحمد ونصهما : « أظهرى بي على أبى قبيس » . وأبو قبيس : جبل بمكة . [ ( 3 ) ] لفظ السيرة : « يسعى بين يدي ذلك » ولفظ المسند : « يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا » . واشتد : عدا . [ ( 4 ) ] في المسند والسيرة : « يا بنية ، ذلك الوازع - يعنى الّذي يأمر الخيل ويتقدم إليها » . [ ( 5 ) ] الطوق : القلادة . والورق : النضة . [ ( 6 ) ] لفظ السيرة والمسند : « وقال : فمسلم . فأسلم » . [ ( 7 ) ] في سيرة ابن هشام : « بالأمانة في الناس اليوم لقتيل » . [ ( 8 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 405 ، 406 . ومسند الإمام أحمد : 6 / 349 ، 350 . [ ( 9 ) ] الاستيعاب ، الترجمة 1773 : 3 / 1036 .